وَفِي هَذَا إبْطالُ قوْل ِمَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا : لأَجْل ِ النَّجَاسَةِ ، فهَذَا أَبعَدُ شَيْءٍ عَنْ مَقاصِدِ الرَّسُوْل ِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ :
1- مِنْهَا : أَنَّ الأَحَادِيْثَ كلهَا ، ليْسَ فِيْهَا فرْقٌ بَيْنَ المقبَرَةِ الحدِيْثةِ وَالمنْبُوْشَةِ ، كمَا يَقوْلُ المعَللوْنَ باِلنَّجَاسَة .
2- وَمِنْهَا : أَنهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَنَ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى عَلى اتخاذِ قبوْرِ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ .
وَمَعْلوْمٌ قطعًا أَنَّ هَذَا ليْسَ لأَجْل ِ النَّجَاسَةِ ، فإنَّ ذلِك َ لا يَخْتَصُّ بقبوْرِ الأَنبيَاءِ ، وَلأَنَّ قبوْرَ الأَنبيَاءِ مِنْ أَطهَرِ البقاعِ ، وَليْسَ لِلنَّجَاسَةِ عَليْهَا طرِيْقٌ البتة َ، فإنَّ الله َ حَرَّمَ عَلى الأَرْض ِ أَنْ تأْكلَ أَجْسَادَهُمْ ، فهُمْ في قبوْرِهِمْ طرِيوْن .
3- وَمِنْهَا : أَنهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ إليْهَا .
4- وَمِنْهَا : أَنهُ أَخْبَرَ أَنَّ «الأَرْضَ كلهَا مَسْجِدٌ ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام». وَلوْ كانَ ذلِك َ لأَجْل ِ النَّجَاسَةِ ، لكانَ ذِكرُ الحشوْش ِ وَالمجَازِرِ وَنحْوِهَا أَوْلىَ مِنْ ذِكرِ القبوْر .
5- وَمِنْهَا : أَنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كانَ مَقبَرَة ً لِلمُشْرِكِيْنَ ، فنبشَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبوْرَهُمْ وَسَوّاهَا ، وَاتخذَهُ مَسْجِدًا . وَلمْ يَنْقلْ ذلِك َ التُّرَابَ ، بَلْ سَوَّى الأَرْضَ وَمَهَّدَهَا ، وَصَلى فِيْهِ ، كمَا ثبتَ في «الصَّحِيْحَيْن» عَنْ أَنس ِ بْن ِمَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْه).
ثمَّ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ :
(6- وَمِنْهَا :أَنَّ فِتْنَة َ الشِّرْكِ باِلصَّلاةِ فِي القبوْرِ، وَمُشَابَهَةِ عُبّادِ الأَوْثان ِ، أَعْظمُ بكثِيْرٍ مِنْ مَفسَدَةِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ وَالفجْر . فإذا نهى عَنْ ذلِك َ سَدًّا لِذَرِيْعَةِ التَّشَبُّهِ التِي لا تَكادُ تَخْطرُ ببال ِ المصَلي ، فكيْفَ بهَذِهِ الذّرِيْعَةِ القرِيْبَةِ ، التِي كثِيْرًا مَا تدْعُوْ صَاحِبَهَا إلىَ الشِّرْكِ ، وَدُعَاءِ الموْتى وَاسْتغاثتِهمْ ، وَطلبِ الحوَائِجِ مِنْهُمْ ، وَاعْتِقادِ أَنَّ الصَّلاة َ عِنْدَ قبوْرِهِمْ أَفضَلُ مِنْهَا فِي المسَاجِدِ ، وَغيْرِ ذلِك َ مِمّا هُوَ مُحَادَّة ٌ ظاهِرَة ٌ للهِ وَرَسُوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فأَينَ التَّعْلِيْلُ بنَجَاسَةِ البُقعَةِ مِنْ هَذِهِ المفسَدَة ؟!
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصَدَ مَنْعَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الفِتْنَةِ باِلقبوْرِ ، كمَا افتتَنَ بهَا قوْمُ نوْحٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ .