فإنَّ هَذَا وَأَمْثالهُ مِنَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِيَانة ٌلِحِمَى التَّوْحِيْدِ أَنْ يَلحَقهُ الشِّرْك ُ وَيَغْشَاهُ ، وَتَجْرِيْدٌ لهُ وَغضَبٌ لِرَبهِ أَنْ يُعْدَلَ بهِ سِوَاه .
فأَبى المشْرِكوْنَ إلا َّ مَعْصِيَة ً لأَمْرِهِ ، وَارْتِكابًا لِنَهْيهِ ، وَغرَّهُمُ الشَّيْطانُ فقالَ:«بَلْ هَذَا تَعْظِيْمٌ لِقبوْرِ المشَايخِ وَالصّالِحِيْنَ ، وَكلمَا كنْتُمْ أَشَدَّ لهَا تَعْظِيْمًا ، وَأَشَدَّ فِيْهمْ غلوًّا ، كنْتُمْ بقرْبهمْ أَسْعَدَ ، وَمِنْ عِدَائِهمْ أَبعَد».
وَلعَمْرُ اللهِ مِنْ هَذَا البابِ بعَيْنِهِ دَخَلَ عَلى عُبّادِ يَغُوْثَ وَيَعُوْقَ وَنسْرٍ . وَمِنْهُ دَخَلَ عَلى عُبّادِ الأَصْنَامِ مُنْذُ كانوْا إلىَ يَوْمِ القِيَامَة . فجَمَعَ المشْرِكوْنَ بَيْنَ الغلوِّ فِيْهمْ ، وَالطعْن ِ في طرِيْقتِهمْ .
وَهَدَى الله ُ أَهْلَ التَّوْحِيْدِ لِسُلوْكِ طرِيْقتِهمْ ، وَإنزَالِهمْ مَنَازِلهُمُ التِي أَنزَلهُمُ الله ُ إياهَا ، مِنَ العُبُوْدِيةِ وَسَلبِ خَصَائِص ِ الإلهِيَّةِ عَنْهُمْ ،
وَهَذَا غاية ُ تَعْظِيْمِهمْ وَطاعَتِهمْ .
فأَمّا المشْرِكوْنَ : فعَصَوْا أَمْرَهُمْ ، وَتنقصُوْهُمْ في صُوْرَةِ التَّعْظِيْمِ لهمْ ، قالَ الشّافِعِيُّ:«أَكرَهُ أَنْ يُعَظمَ مَخْلوْقٌ ، حَتَّى يُجْعَلَ قبْرُهُمَسْجِدًا ، مَخَافة َ الفِتْنَةِ عَليْهِ ، وَعَلى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النّاس»)اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ ، نقلهُ عَنْهُ العَلامَة ُ ابنُ القيِّمِ في«إغاثةِ اللهْفان»(1/187-189).
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ رَحِمَهُ الله ُ أَيْضًا :
(وَهَذِهِ العِلة ُ- التِي لأَجْلِهَا نهَى الشّارِعُ عَن ِ اتخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ -: هِيَ التي أَوْقعَتْ كثِيْرًا مِنَ الأُمَمِ إمّا في الشِّرْكِ الأَكبَرِ، أَوْ فِيْمَا دُوْنهُ مِنَ الشِّرْك.
فإنَّ النُّفوْسَ قدْ أَشْرَكتْ بتَمَاثِيْل ِ القوْمِ الصّالِحِيْنَ ، وَتَمَاثِيْلَ يَزْعُمُوْنَ أَنهَا طلاسِمُ لِلكوَاكِبِ ، وَنحْو ذلك .
فإنَّ الشِّرْك َ بقبْرِ الرَّجُل ِ الذِي يُعْتَقدُ صَلاحُهُ ، أَقرَبُ إلىَ النُّفوْس ِ مِنَ الشِّرْكِ بخشبةٍ أَوْ حَجَر .