ثمَّ قالَ (2/458-459) وَقدْ بَينا أَنهُ لا يَجُوْزُ أَنْ يُرَادَ بتِلك َ الأَحَادِيْثِ ، المقبَرَة َ العَتِيْقة َالمنْبُوْشة َ فقط ، لأَنهُ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ ، وَنهَى عَن ِ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ ، وَنهَى عَن ِ اتخاذِ قبْرِ النَّبيِّ أَوِ الرَّجُل ِ الصّالِحِ مَسْجِدًا .
وَمَعْلوْمٌ أَنَّ قبوْرَ الأَنبيَاءِ لا تنبش .
وَلأَنَّ عَامَّة َ مَقابرِ المسْلِمِيْنَ في وَقتِهِ كانتْ جَدِيْدَة ً، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُطلقَ اسْمُ المقبَرَةِ ، وَيرِيْدُ بهَا مَقابرَ المشْرِكِيْنَ العُتَّق ِ، مَعَ أَنَّ المفهُوْمَ عِنْدَهُمْ مَقابرُهُمْ ، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُرِيْدَ بهَا مَا يتجدَّدُ مِنَ القبوْرِ العُتَّق ِ ، دُوْنَ المقابرِ الموْجُوْدَةِ في زَمَانِهِ وَبَلدِهِ ، فإنَّ مَا يَعْرِفهُ المتكلمُ مِنْ أَفرَادِ العَامِّ ، هُوَ أَوْلىَ باِلدُّخُوْل ِ في كلامِه .
ثمَّ إنهُ لوْ أَرَادَ القبوْرَ المنْبُوْشة َ وَحْدَهَا : لوَجَبَ أَنْ يَقرِنَ بذَلِك َ قرِينة ً تدُلُّ عَليْهِ ، وَإلا َّ فلا دَلِيْلَ يَدُلُّ عَلى أَنَّ المرَادَ هُوَ هَذَا .
وَمِنَ المحَال ِ أَنْ يُحْمَلَ الكلامُ عَلى خِلافِ الظاهِرِ المفهُوْمِ مِنْهُ ، مِنْ غيْرِ أَنْ يُنْصَبَ دَلِيْلٌ عَلى ذلك .
ثمَّ إنهُ نهَانا عَمّا كانَ يَفعَلهُ أَهْلُ الكِتَابيْن ِ ، مِنَ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِد . وَأَكثرُ مَا اتخذُوْهُ مِنَ المسَاجدِ مقبَرَة ً جَدِيدَة ً، بَلْ لا يَكوْنُ إلا َّ كذَلِك .
ثمَّ هُمْ يَفرُشوْنَ في تِلك َ الأَرْض ِ مَفارِشَ تَحُوْلُ بيْنَهُمْ وَبيْنَ ترْبتهَا ، فعلمَ أَنهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهانا عَنْ ذلك .
وَباِلجمْلةِ : فمَنْ جَعَلَ النَّهْيَ عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ لأَجْل ِ نَجَاسَةِ الموْتى فقط : فهُوَ بَعِيْدٌ عَنْ مَقصُوْدِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كمَا تَقدَّم).