أَسْمَاءُ رِجَال ٍ صَالِحِيْنَ مِنْ قوْمِ نوْحٍ ، فلمّا هَلكوْا أَوْحَى الشَّيْطانُ إلىَ قوْمِهمْ : أَن ِ انْصبوْا إلىَ مَجَالِسِهمُ التي كانوْا يَجْلِسُوْنَ أَنصَابًا ، وَسَمُّوْهُمْ بأَسْمَائِهمْ ففعَلوْا ، فلمْ تعْبَدْ ، حَتَّى إذا هَلك َ أُوْلئِك َ، وَنسِيَ العِلمُ عُبدَتْ».
وَقالَ غيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلفِ :«كانَ هَؤُلاءِ قوْمًا صَالِحِيْنَ فِي قوْمِ نوْحٍ عَليْهِ السَّلامُ ، فلمّا مَاتوْا : عَكفوْا عَلى قبورِهِمْ ، ثمَّ صَوَّرُوْا تمَاثِيْلهُمْ ، ثمَّ طالَ عَليْهمُ الأَمدُ فعَبَدُوْهُمْ».
فهَؤُلاءِ جَمَعُوْا بَيْنَ الفِتْنَتَيْن ِ: فِتْنَةِ القبوْرِ، وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيْل ِ، وَهُمَا الفِتْنَتَان ِ اللتان ِأَشارَ إليْهمَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحدِيْثِ المتَّفق ِ عَلى صِحَّتِهِ عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا : أَنَّ أُمَّ سَلمَة َ رَضِيَ الله ُعَنْهَا ذكرَتْ لِرَسُوْل ِاللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كنِيْسَة ً رَأَتهَا بأَرْض ِ الحبشةِ يُقالُ لها «مَارِيََةَ» ، فذَكرَتْ لهُ مَا رَأَتْ فِيْهَا مِنَ الصُّوَر.
فقالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«أُوْلئِكَِ قوْمٌ إذا مَاتَ فِيْهمُ العَبْدُ الصّالِحُ ، أَوِ الرَّجُلُ الصّالِحُ : بنوْا عَلى قبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَصَوَّرُوْا فِيْهِ تِلك َ الصُّوَرَ ، أُوْلئِكَِ شِرَارُ الخلق ِ عِنْدَ اللهِ تعَالىَ».
وَفِي لفظٍ آخَرَ فِي«الصَّحِيْحَيْن»:«أَنَّ أُمَّ حَبيْبَة َ وَأُمَّ سَلمَة َ ذكرَتا كنيْسَة ً رَأَينهَا».
فجَمَعَ فِي هَذَا الحدِيْثِ ، بَيْنَ التَّمَاثِيل ِ وَالقبوْرِ ، وَهَذَا كانَ سَبَبَ عِبَادَةِ اللاتِ ... فقدْ رَأَيْتَ أَنَّ سَبَبَ عِبَادَةِ وَدٍّ وَيَغوْثَ وَيَعُوْقَ وَنسْرٍ وَاللاتِ ، إنمَا كانتْ مِنْ تَعْظِيْمِ قبوْرِهِمْ ، ثمَّ اتخذُوْا لهَا التَّمَاثِيْلَ وَعَبَدُوْهَا ، كمَا أَشَارَ إليْهِ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )اه.
وَقالَ العَلامَة ُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ القادِرِ الأَقحِصَارِيُّ الحنَفِيُّ ، المعْرُوْفُ باِلرُّوْمِيِّ(ت1041ه) في كِتَابهِ الكبيْرِ«مَجَالِس ِالأَبْرَار،
وَمَسَالِكِ الأَخْيَار»([1]) في«المجْلِس ِ السّابعَ عَشَرَ» في شَرْحِهِ حَدِيْثَ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا مَرْفوْعًا «لعْنة ُ اللهِ عَلى اليهُوْدِ وَالنَّصَارَى ، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ»قالَ هَذَا الحدِيْثُ مِنْ صِحَاحِ «المصَابيْحِ» ، رَوَتهُ أَمُّ المؤْمِنِيْنَ عَائِشَة ُ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا .
وَسَببُ دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلى اليهُوْدِ وَالنَّصَارَى باِللعْنَةِ : أَنهُمْ كانوْا يُصَلوْنَ في الموَاضِعِ التِي دُفِنَ فِيْهَا أَنبيَاؤُهُمْ :
·إمّا نظرًا مِنْهُمْ ، بأَنَّ السُّجُوْدَ لِقبوْرِهِمْ تعْظِيْمٌ لها ، وَهَذَا شِرْك ٌ جَلِيٌّ ، وَلهِذَا قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قبْرِي وَثنا يُعْبَد».
· أَوْ ظنًّا مِنْهُمْ ، بأَنَّ التَّوَجُّهَ إلىَ قبوْرِهِمْ باِلصَّلاةِ أَعْظمُ وَقعًا عِنْدَ اللهِ تعَالىَ - لاشْتِمَالِهِ عَلى أَمْرَيْن ِ: عِبَادَةِ اللهِ تعَالىَ ، وَتَعْظِيْمِ أَنبيَائِهِ –وَهَذَا شِرْك ٌ خَفِيّ .
وَلهِذَا نهَى النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتهُ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ احْتِرَازًا عَنْ مُشابهَتِهمْ بهمْ ، وَإنْ كانَ القصْدَان ِ مُخْتَلِفيْن .
[1]- كِتَابٌ مُفِيْدٌ ، انتَقى مُؤَلفهُ مِئَة َ حَدِيْثٍ مِنْ أَحَادِيْثِ «مَصَابيْحِ السُّنَّةِ» لِلبَغوِيِّ ، ثمَّ شَرَحَهَا فِيْهِ ، في مِئَةِ مَجْلِس ٍ، وَأَطالَ في شَرْحِهَا .
لهُ نسَخٌ خَطية ٌ كثِيْرَة ٌ في العَالمِ ، مِنْهَا اثنتَا عَشْرَة َ نسْخة ً خَطية ً أَصْلِيَّة ً في «مَرْكزِ الملِكِ فيْصَل لِلبحُوْثِ وَالدِّرَاسَاتِ الإسْلامِيَّةِ» باِلرِّياض ِ، مَحْفوْظة ً باِلأَرْقامِ 00408)،(02278)،(03325) ،(04245) ، (06542)،(07993)،(08009)، (08798)،(09001)، (09442)،(09770)،(11559). وَنسْخة ٌ مُصَوَّرَة ٌ عَن ِ«المتْحَفِ البرِيْطانِيّ» ، مَحْفوْظة ٌ بالمرْكزِ أَيْضًا برَقمِ ب9164-9169)، وَلا أَعْلمُ أَنهُ مَطبوْع .
وَقدْ طبعَتْ رِسَالة ٌ فِيْهَا:أَرْبَعَة ُ مَجَالِسَ مِنْهُ فقط ، وَسُمِّيَتْ «المجَالِسُ الأَرْبَعَة ُ مِنْ مَجَالِس ِ الأَبْرَارِ»، كانَ المجْلِسُ الأَوَّلُ مِنْهَا «في بَيَان ِ عَدَمِ جَوَازِ الصَّلاةِ عِنْدَ القبوْرِ ، وَالاسْتِمْدَادِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَاتِّخَاذِ السُّرُوْجِ وَالشُّمُوْعِ عَليْهَا» ، وَهَذَا هُوَ المجْلِسُ السَّابعَ عَشَرَ في الأَصْل ِ، وَفِيْهِ شَرْحُ حَدِيْثِ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا السّابق.