وَكذَلِك َ مَالِك ٌ فِي«الموَطإ»: رَوَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: أَنهُ كانَ إذا دَخَلَ المسْجِدَ قالَ:«السَّلامُ عَليْك َ يَا رَسُوْلَ اللهِ ، السَّلامُ عَليْك َ يَا أَبا بَكرٍ، السَّلامُ عَليْك َ يا أَبةِ» ثمَّ يَنْصَرِف .
وَفي«سُنَن ِ أَبي دَاوُوْدَ»(2041) عَن ِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنهُ قالَ:«لا تتخِذُوْا قبْرِي عِيْدًا ، وَصَلوْا عَليَّ فإنَّ صَلاتكمْ تبْلغنِي حَيْثمَا كنتمْ».
وَفِي«سُنَن ِسَعِيْدِ بْن ِ مَنْصُوْرٍ»: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ حَسَن ِ بْن ِ حَسَن ِ بْن ِ عَلِيِّ بْن ِ أَبي طالِبٍ رَأَى رَجُلا ً يَخْتَلِفُ إلىَ قبْرِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَدْعُوْ عِنْدَهُ فقالَ:(يَا هَذَا ! إنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:«لا تَتَّخِذُوْا قبْرِي عِيْدًا ، وَصَلوْا عَليَّ، فإنَّ صَلاتَكمْ حَيْثمَا كنتمْ تبْلغنِي» فمَا أَنتَ وَرَجُلٌ باِلأَندَلس ِ مِنْهُ إلا َّ سَوَاء).
وَفِي«الصَّحِيْحَيْنِ» عَنْ عَائِشَة َرَضِيَ الله ُ عَنْهَا : عَن ِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنهُ قالَ فِي مَرَض ِ مَوْتِهِ:«لعَنَ الله ُ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى ، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيائِهمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا فعَلوْا ، وَلوْلا ذلِك َ لأُبرِزَ قبْرُهُ ، وَلكِنْ كرِهَ أَنْ يُتَّخذَ مَسْجِدًا [خ(435) م(531)].
وَهُمْ دَفنوْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا خِلافَ مَا اعْتَادُوْهُ مِنَ الدَّفن ِ فِي الصَّحْرَاءِ ، لِئَلا ّ يصَليَ أَحَدٌ عِنْدَ قبْرِهِ وَيتخِذَهُ مَسْجِدًا ، فيتخذَ قبْرُهُ وَثنًا .
وَكانَ الصَّحَابة ُ وَالتّابعُوْنَ – لمّا كانتِ الحجْرَة ُ النَّبَوِيَّة ُ مُنْفصِلة ً عَن ِ المسْجِدِ إلىَ زَمَن ِ الوَلِيْدِ بْن ِعَبْدِ الملِكِ (ت96ه) -: لا يَدْخُلُ أَحَدٌ إليْهِ ، لا لِصَلاةٍ هُنَاك َ، وَلا تمَسُّحٍ باِلقبرِ ، وَلا دُعَاءٍ هُنَاك َ، بَلْ هَذَا جَمِيْعُهُ إنمَا كانوْا يَفعَلوْنهُ فِي المسْجد .
وَكانَ السَّلفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتّابعِينَ إذا سَلمُوْا عَلى النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَرَادُوْا الدُّعَاءَ:دَعَوْا مُسْتَقبلِي القِبْلةِ ، وَلمْ يَسْتَقبلوْا القبْر .
وَأَمّا الوُقوْفُ لِلسَّلامِ عَليْهِ صَلوَاتُ اللهِ عَليْهِ وَسَلامُهُ : فقالَ أَبوْ حَنِيْفة َ: «يَسْتَقبلُ القِبْلة َ أَيضًا ، وَلا يَسْتَقبلُ القبرَ».
وَقالَ أَكثرُ الأَئِمَّةِ:«بَلْ يَسْتَقبلُ القبْرَ عِنْدَ السَّلامِ خَاصَّة».
وَلمْ يَقلْ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ :«إنهُ يَسْتَقبلُ القبْرَ عِنْدَ الدُّعَاء».
وَليْسَ فِي ذلِك َ إلا َّ حِكاية ٌ مَكذُوبة ٌ، ترْوَى عَنْ مَالِكٍ ، وَمَذْهَبُهُ بخِلافِهَا .
وَاتفقَ الأَئِمَّة ُ عَلى أَنهُ لا يَتَمَسَّحُ بقبْرِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلا يُقبله .
وَهَذَا كلهُ مُحَافظة ٌ عَلى التَّوْحِيْدِ ، فإنَّ مِنْ أُصُوْل ِ الشِّرْكِ باِللهِ : اتخاذَ القبوْرِ مَسَاجِدَ ، كمَا قالَ طائِفة ٌ مِنَ السَّلفِ فِي قوْلِهِ تَعَالىَ:{ وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً }.
قالوْا :«هَؤُلاءِ كانوْا قوْمًا صَالِحِينَ فِي قوْمِ نوْحٍ ، فلمّا مَاتوْا عَكفوْا عَلى قبوْرِهِمْ ، ثمَّ صَوَّرُوْا عَلى صُوَرِهِمْ تمَاثِيْلَ ، ثمَّ طالَ عَليْهمُ الأَمَدُ فعَبَدُوْهَا».
وَقدْ ذكرَ البُخارِيُّ فِي«صَحِيْحِهِ»(4920) هَذَا المعْنَى عَن ِ ابْن ِ عَبّاس .
وَذكرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطبَرِيُّ وَغيْرُهُ فِي«التَّفسِيرِ» عَنْ غيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلف .
وَذكرَهُ وَثِيْمَة ُ وَغيْرُهُ فِي«قصَص ِ الأَنبياءِ» مِنْ عِدَّةِ طرُق .
وَقدْ بَسَطتُ الكلامَ عَلى أُصُوْل ِ هَذِهِ المسَائِل ِ فِي غيْرِ هَذَا الموْضِع .
وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ هَذِهِ الأَحَادِيْثَ فِي السَّفرِ لِزِيَارَةِ المشَاهِدِ التي عَلى القبوْرِ : أَهْلُ البدَعِ مِنَ الرّافِضَةِ وَنحْوِهِمْ ، الذِيْنَ يُعَطلوْنَ المسَاجِدَ ، وَيُعَظمُوْنَ المشَاهِدَ ، يَدَعُوْنَ بيوْتَ اللهِ التي أَمَرَ أَنْ يُذْكرَ فِيْهَا اسْمُهُ ، وَيُعْبَدَ وَحْدَهُ لا شَرِيْك َ لهُ ، وَيُعَظمُوْنَ المشَاهِدَ التي يُشْرَك ُ فِيْهَا ، وَيُكذَبُ ، وَيُبْتَدَعُ فِيْهَا دِيْنٌ لمْ يُنَزِّل ِ الله ُ بهِ سُلطانا .
فإنَّ الكِتَابَ وَالسُّنَّة َ، إنمَا فِيْهمَا ذِكرُ المسَاجِدِ دُوْنَ المشَاهِدِ ، كمَا قالَ تَعَالىَ:{ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }.
وَقالَ تَعَالىَ:{ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }.
وَقالَ تَعَالىَ: { وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }.
وَقالَ تَعَالىَ:{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً }.
وَقالَ تَعَالىَ: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا }.
وَقدْ ثبتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في«الصَّحِيْحِ»:أَنهُ كانَ يَقوْلُ :«إنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ ، كانوْا يَتَّخِذُوْنَ القبوْرَ مَسَاجِدَ ، أَلا فلا تَتَّخِذُوْا القبوْرَ مَسَاجِدَ ، فإني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك» ، وَالله ُ أَعْلم)اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ رَحِمَهُ الله .