فصل
وَقدِ انْتَصَرَ لِشَيْخِ الإسْلامِ رَحِمَهُ الله ُ، وَذبَّ عَنْهُ ، وَبَيَّنَ مُرَادَهُ ، وَرَجَّحَهُ وَأَظهَرَهُ : جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ مِنْ أَرْبابِ المذَاهِبِ كافة ً، وَعَلى رَأْسِهمْ عُلمَاءُ بَغْدَاد .
وَضَلَّ آخَرُوْنَ عَنْ عِلةِ نهْيِّ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَابطِهِ في شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ غيْرِ المسَاجِدِ الثلاثةِ : فعَارَضُوْهُ – مَعَ أَنهُ في«الصَّحِيْحَيْن»- بإجْمَاعِ العُلمَاءِ عَلى جَوَازِ شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ الثغوْرِ ، وَطلبِ العِلمِ ، وَالتِّجارَةِ ، وَزِيارَةِ الأَرْحَامِ ، وَغيْرِ ذلِك َ مِمّا هُوَ مَشْرُوْعٌ ، أَوْ صَرَفوْا مَعْنَاهُ عَنْ حَقِيْقتِهِ بصَوَارِفَ غيْرَ صَحِيْحَةٍ ، وَعَمُوْا عَنْ سَببِ الحكمِ وَعِلتِه .
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُبَيِّنًا العِلة َ الصَّحِيْحَة َ المعْتَبرَة َ في ذلِك َ، وَرَادًّا عَلى أُوْلئِك َ المتوَهِّمِيْنَ - كمَا في«مَجْمُوْعِ الفتاوَى»-(27/249-250) فالمسَافِرُ إلىَ الثغوْرِ، أَوْ طلبِ العِلمِ ، أَوِ التجَارَةِ ، أَوْ زِيَارَةِ قرِيبهِ : ليْسَ مَقصُوْدُهُ مَكانا مُعَيَّنًا إلا َّ باِلعَرَض ِ، إذا عَرَفَ أَنَّ مَقصُوْدَهُ فِيْهِ ، وَلوْ كانَ مَقصُوْدُهُ في غيْرِهِ لذَهَبَ إليْه .
فالسَّفرُ إلىَ مِثْل ِ هَذَا ، لمْ يَدْخُلْ في الحدِيْثِ باِتفاق ِ العُلمَاءِ ، وَإنمَا دَخَلَ فِيْهِ مَنْ يُسَافِرُ لِمَكان ٍ مُعَيَّن ٍ، لِفضِيْلةِ ذلِك َ بعَيْنِهِ ، كالذِي يُسَافِرُ إلىَ المسَاجِدِ وَآثارِ الأَنْبيَاءِ ، كالطوْرِ الذِي كلمَ الله ُ عَليْهِ مُوْسَى ، وَغارِ حِرَاءَ ... وَمَا هُوَ دُوْنَ ذلِك َ مِنَ الغارَاتِ وَالجِبَال)اه كلامُهُ رَحِمَهُ الله .
وَقالَ آخَرُوْنَ قوْلُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ»: اسْتثناءٌ مُفرَّغٌ ، وَالتَّقدِيْرُ فِيْهِ:«إلىَ مَسْجِدٍ» أَي : لا تشدُّ الرِّحَالُ إلىَ مَسْجِدٍ إلا َّ إلىَ المسَاجِدِ الثلاثة .
فأَجَازُوْا كلَّ سَفرٍ - وَإنْ كانَ سَفرًا لِبُقعَةٍ فاضِلةٍ ، أَوْ يُزْعَمُ فضْلهَا ، أَوْ قبْرٍ وَغيْرِهِ – وَلمْ يَمْنَعُوْا إلا َّ مَنْ سَافرَ لِمَسْجِدٍ غيْرَ هَذِهِ الثلاثةِ ، وَجَعَلوْا ذلِك َ هُوَ الضّابط َ! وَهَذَا غيْرُ صَحِيْح .
وَلوْ سَلمْنَا لهمْ ذلِك َ، وَجَعَلنَا التَّقدِيْرَ في ذلِك َ الاسْتِثْنَاءِ المفرَّغِ:«إلىَ مَسْجِدٍ»: لكانَ النَّهْيُ عَن ِ السَّفرِ إلىَ مَسْجِدٍ غيْرِ الثلاثةِ باِللفظِ ، وَعَنْ سَائِرِ البقاعِ وَالأَمَاكِن ِ التي يعْتقدُ فضْلهَا باِلتَّنْبيْه وَالفحْوَى ، وَطرِيْق ِ الأَوْلىَ .
فإنَّ المسَاجِدَ وَالعِبَادَة َ فِيْهَا ، أَحَبُّ إلىَ اللهِ مِنَ العِبَادَةِ في تِلك َ البقاعِ باِلنَّصِّ وَالإجْمَاع .
فإذا كانَ السَّفرُ إلىَ البقاعِ الفاضِلة - باِلنَّصِّ وَالإجْمَاعِ-: قدْ نهيَ عَنْهُ : فالسَّفرُ إلىَ المفضُوْلةِ أَوْلىَ باِلتَّحْرِيْمِ وَأَحْرَى .
وَالصَّوَابُ : أَنَّ التَّقدِيْرَ في هَذَا الاسْتِثْنَاءِ هُوَ:«إلىَ بُقعَةٍ وَمَكان ٍ يُظنُّ فضْلهُ» أَي : لا تشدُّ الرِّحَالُ إلىَ بُقعَةٍ يُظنُّ فضْلهَا ، إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِد .
وَعَلى كِلا التقدِيْرَيْن ِ في هَذَا الاسْتِثْنَاءِ : يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَال ِ، إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِد .
إذا تقرَّرَ هَذَا الحكمُ وَاسْتقرَّ : عَلِمْتَ أَنَّ شَدَّ الرِّحَال ِ إلىَ قبوْرِ الأَوْلِيَاءِ وَالصّالِحِيْنَ : مُنْكرٌ عَظِيْمٌ ، وَإثمٌ جَسِيْمٌ ، وَضَلالة ٌ عَمْيَاءُ ، وَجَهَالة ٌ جَهْلاء .
وَأَنَّ ذلِك َ المسَافرَ قدْ سَافرَ مَأْزُوْرًا في سَفرِ مَعْصِيَةٍ ، لا يَجُوْزُ لهُ فِيْهِ الجمْعُ وَلا القصْرُ ، وَلا التَّرَخُّصُ برُخص ِ المسَافِرِيْن .
فإنْ كانَ صَائِمًا : لمْ يَجُزْ لهُ الإفطارُ ، وَإنْ كانَ مُصَليًا : لمْ تصِحَّ صَلاتهُ إلا َّ باِلإتمَام .
ثمَّ إذا عَلِمْتَ أَنَّ كلَّ شَادِّ رَحْل ٍ وَمُسَافِرٍ إلىَ تِلك َ المشَاهِدِ وَالقبوْرِ : لمْ يُسَافرْ لها ، إلا َّ لأَجْل ِ الصَّلاةِ عِنْدَهَا ، رَجَاءَ بَرَكةِ بقعَتِهَا : عَلِمْتَ أَنَّ أُوْلئِك َ المسَافِرِيْنَ ، قدْ بَلغوْا في الضَّلال ِ مَبْلغا عَظِيْمًا .
بَلْ لا يَخْلو أُوْلئِك َ المسَافِرُوْنَ المرْتحِلوْنَ إلىَ القبوْرِ ، مِنْ دُعَاءِ أُوْلئِك َ المقبُوْرِيْنَ ، وَالاسْتِغاثةِ بهمْ ، وَرَجَاءِ نفعِهمْ ، وَغيْرِ ذلِك َ مِمّا هُوَ شِرْك ٌ وَكفرٌ باِللهِ مُخْرِجٌ مِنَ المِلةِ ، لا يَقبَلُ الله ُ مِنْ فاعِلهِ عَدْلا ً وَلا صَرْفا .
فهَذَا البابُ الذِي خَشِيَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلى أُمَّتِهِ مِنْهُ قدْ فتِحَ ، وَهَذَا نهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن ِ اتخاذِهَا مَسَاجِدَ قدْ أُوْتِيَ : فكانَ ذرِيْعَة ً إلىَ إشْرَاكِهمْ باِللهِ وَكفرِهِمْ ، كمَا كانَ ذرِيْعَة ً لِشِرْكِ الأُمَمِ قبْلهُمْ .