وَقدْ ذكرَهَا شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ في«شَرْحِ العُمْدَةِ» (2/425) ، ثمَّ قالَ وَأَمّا ثلاثة ٌمِنْهَا : فقدْ تَوَاطأَتِ الأَحَادِيْثُ وَاسْتَفاضَتْ باِلنَّهْيِّ عَن ِالصَّلاةِفِيْهَا ، وَهِيَ : المقبرَة ُ، وَأَعْطانُ الإبل ِ، وَالحمّامُ . وَسَائِرُهَا جَاءَ فِيْهَا مِنَ الحدِيْثِ مَا هُوَ دُوْنَ ذلك)اه. وَالمسْأَلة ُمَبْسُوْطة ٌ فِي كتبِ الفِقهِ ، وَلا تخْفى .
وَلمّا ذكرَ أَبوْ محمَّدٍ ابْنُ قدَامَة َ فِي«المغنِي»(2/468-469) قوْلَ مَن ِاسْتَدَلَّ بعُمُوْمِ قوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا» وَنَحْوِهِ : خَصَّصَهُ أَبوْ محمَّدٍ بقوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ الحمّامَ وَالمقبَرَة».
ثمَّ قالَ وَهَذَا خَاصٌّ مُقدَّمٌ عَلى عُمُوْمِ مَا رَوَوْه).
وَقالَ (2/480) فِي الحدِيْثِ الأَوَّل ِ- أَي حَدِيْثَ «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا»- وَهُوَ صَحِيْحٌ مُتَّفقٌ عَليْهِ ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْهُ المقبَرَة ُ، وَالحمّامُ ، وَمَعَاطِنُ الإبل ِ بأَحَادِيْثَ صَحِيْحَةٍ خَاصَّةٍ ، ففِيْمَا عَدَا ذلِك َ يبقى عَلى العُمُوْم).
وَكذَلِك َ أَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ في«صَحِيْحِهِ» لمّا رَوَى(4/595) (1697): حَدِيثَ حُذيفة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «فضِّلنَا عَلى النّاس ِ بثلاثٍ : جُعِلتِ الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَ تُرْبتهَا لنا طهُوْرًا ، وَجُعِلتْ صُفوْفنَا كصُفوْفِ الملائِكة» وَهُوَ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي«مُسْندِهِ»(5/383) ومُسْلِمٍ فِي«صَحِيْحِه»(522): خَصَّصَ ابنُ حِبّانَ هَذَا العُمُوْمَ وَالإطلاقَ بثلاثةِ أَبوَابٍ :
· أَوَّلها (4/596):«ذِكرُ وَصْفِ التَّخْصِيْص ِالأَوَّل ِالذِي يَخصُّ عُمُوْمَ تِلك َ اللفظةِ التِي تقدَّمَ ذِكرُنا لهَا».
· وَالثّانِي (4/598):«ذِكرُ التَّخْصِيْص ِالثّانِي الذِي يَخُصُّ عُمُوْمَ اللفظةِ التِي ذكرْناهُ قبْلُ».
· وَالثّالِثُ (4/599):«ذِكرُ التَّخْصِيْص ِ الثّالِثِ الذِي يَخُصُّ عُمُوْمَ قوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدًا».
وَأَوْرَدَ تحْتهَا ثلاثة َأَحَادِيْثَ :
· أَوَّلها(1698): حَدِيْثُ أَنس ِ بْن ِمَالِكٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهَى أَنْ يُصَلى بَيْنَ القبوْرِ . وَهَذَا صَحَّحَهُ الضِّيَاءُ المقدِسِيُّ فِي «الأَحَادِيْثِ المخْتَارَة».
· وَالثّانِي(1699):حَدِيْثُ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ مَرْفوْعًا:«الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ الحمّامَ وَالمقبَرَة».
· وَالثّالِثُ(1700):حَدِيْثُ أَبي هُرَيْرَة َرَضِيَ الله ُ عَنْهُ مَرْفوْعًا:«إذا لمْ تَجِدُوْا إلا َّ مَرَابضَ الغنمِ ، وَمَعَاطِنَ الإبل ِ: فصَلوْا فِي مَرَابض ِ الغنمِ ، وَلا تصَلوْا فِي أَعْطان ِ الإبل» وَهُوَ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي «مُسْنَدِهِ»(2/491) وَابْن ِمَاجَهْ(768).
وَبوَّبَ ابْنُ حِبّانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ(6/88) عَلى حَدِيْثِ أَبي هُرَيْرَة َ هَذا السّابق ِ ذِكرُ الخبَرِ المصَرِّحِ بأَنَّ قوْلهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ طهُوْرًا وَمَسْجِدًا» أَرَادَ بهِ بَعْضَ الأَرْض ِلا الكلّ).
وَبوَّبَ قبْلهُ(6/87) ذِكرُ خَبَرٍ قدْ يُوْهِمُ غيْرَ المتَبَحِّرِ فِي صِناعَةِ العِلمِ أَنَّ الأَرْضَ كلهَا طاهِرَة ٌ، يَجُوْزُ لِلمَرْءِ الصَّلاة ُ عَليْهَا).
ثمَّ سَاقَ حَدِيْثَ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:«فضِّلتُ عَلى الأَنبيَاءِ بسِتٍّ : أُعْطِيْتُ جَوَامِعَ الكلِمِ ، وَنصِرْتُ بالرُّعْبِ ، وَأُحِلتْ لِيَ الغنائِمُ ، وَجُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ طهُوْرًا وَمَسْجِدًا ، وَأُرْسِلتُ إلىَ الخلق ِ كافة ً، وَخُتِمَ بيَ النبيوْن».
وَهَذَا الحدِيْثُ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي«مُسْنَدِهِ»(2/411-412) وَمُسْلِمٍ في«صَحِيْحِه»(523).
وَبوَّبَ ابْنُ حِبّانَ بَعْدَهُ أَبوَابا عِدَّة ً، أَوْرَدَ تَحْتَهَا جُمْلة َ أَحَادِيْثَ فِي الأَمَاكِن ِ المخْصُوْصَةِ وَالمسْتثناةِ مِنْ ذلِك َ العُمُوْمِ ، كالمقبَرَةِ ، وَالحمّامِ ، وَأَعْطان ِ الإبل ِ، وَقدْ تقدَّمَ ذِكرُهَا .