وَكذَلِك َ الحافِظ ُ أَبوْ بكرٍ ابنُ المنذِرِ في«الأَوْسَطِ»(2/180-182): ذكرَ في«جِمَاعِ أَبوَابِ الموَاضِعِ التِي تَجُوْزُ الصَّلاة ُ عَليْهَا ، وَالموَاضِعِ المنْهيِّ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا»: أَرْبعَة َ أَبوَابٍ :
· أَوَّلها : ذِكرُ الأَخْبَارِ التِي يدُلُّ ظاهِرُهَا ، عَلى أَنَّ الأَرْضَ كلهَا مَسْجِدٌ وَطهُوْر .
· وَالثاني : ذِكرُ الخبرِ الدّالِّ عَلى أَنَّ المرَادَ مِنْ قوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «جُعِلتِ الأَرْضُ لِي مَسْجِدًا» كلُّ أَرْض ٍ طيِّبَةٍ دُوْنَ النَّجِس ِ مِنْهَا .
· وَالثالِثُ : ذِكرُ النَّهْيِّ عَن ِ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِد .
· وَالرّابعُ : ذِكرُ النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ وَالحمّام .
قالَ البَغوِيُّ فِي«شَرْحِ السُّنَّةِ» أَرَادَ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ لمْ تُبَحْ لهمُ الصَّلاة ُ إلا َّ فِي بيعِهمْ وَكنَائِسِهمْ ، فأَباحَ الله ُ لهِذِهِ الأُمَّةِ ، الصَّلاة َ حَيْثُ كانوْا ، تَخْفِيْفا عَليْهمْ وَتيْسِيرًا ، ثمَّ خَصَّ مِنْ جَمِيْعِ الموَاضِعِ : الحمّامَ ، وَالمقبرَة َ، وَالمكانَ النَّجِس) نقلهُ عَنْهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِ بْنُ حَسَن ِ بْن ِ محمَّدِ بْن ِ عَبْدِ الوَهّابِ آل الشَّيْخِ رَحِمَهُمُ الله ُ في«فتحِ المجيْد»(ص206).
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في«شَرْحِ العُمْدَةِ»(2/439-440) وَأَمّا الأَحَادِيْثُ المشْهُوْرَة ُ في جَعْل ِ الأَرْض ِ مَسْجِدًا : فهيَ عَامَّة ٌ، وَهَذِهِ الأَحَادِيْثُ خَاصَّة ٌ، وَهِيَ تفسِّرُ تِلك َ الأَحَادِيْثَ ، وَتبينُ أَنَّ هَذِهِ الأَمْكِنَةِ ، لمْ تقصَدْ بذَلِك َ القوْل ِ العَامِّ ، وَيُوَضِّحُ ذلك أَرْبعة ُ أَشْيَاءَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الخاصَّ يَقضِي عَلى العَامِّ ، وَالمقيدُ يُفسِّرُ المطلقَ ، إذا كانَ الحكمُ وَالسَّبَبُ وَاحِدًا ، وَالأَمْرُ هُنَا كذَلك .
الثاني: أَنَّ قوْلهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا»: بيانٌ لِكوْن ِ جِنْس ِ الأَرْض ِ مَسْجِدًا لهُ ، وَأَنَّ السُّجُوْدَ عَليْهَا لا يَخْتَصُّ بأَنْ تكوْنَ عَلى صِفةٍ مَخْصُوْصَةٍ ، كمَا كانَ فِي شَرْعِ مَنْ قبْلنَا . لكِنَّ ذلِك َ لا يَمْنَعُ أَنْ تَعْرِضَ للأَرْض ِ صِفة ٌ تَمْنَعُ السُّجُوْدَ عَليْهَا .
فالأَرْضُ التِي هِيَ عَطنٌ ، أَوْ مَقبَرَة ٌ، أَوْ حَمّامٌ ، هِيَ مَسْجِدٌ ، لكِنَّ اتخاذهَا لمّا وُجِدَ لهُ مَانِعٌ عَرَضَ لها : أَخْرَجَهَا عَنْ حُكمِهَا . وَلوْ خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تكوْنَ حَمّامًا ، أَوْ مَقبَرَة ً : لكانتْ عَلى حَالِهَا.
وَذلِك َ أَنَّ اللفظ َ العَامَّ ، لا يُقصَدُ بهِ بيانُ تفاصِيْل ِ الموَانِعِ ، كقوْلِهِ تعَالىَ:{ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ }.
وَقدْ عُلِمَ أَنَّ العَقدَ لا بُدَّ فِيْهِ مِنْ عَدَمِ الإحْرَامِ ، وَعَدَمِ العِدَّةِ ، وَلا بُدَّ لهُ مِنْ شُرُوْطٍ وَأَرْكان .
الثالِثُ : أَنَّ هَذَا اللفظ َ العَامَّ ، قدْ خُصَّ مِنْهُ الموْضِعُ النَّجِسُ ، اعْتِمَادًا عَلى تَقييْدِهِ باِلطهَارَةِ ، فِي قوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كلُّ أَرْض ٍ طيِّبَةٍ» ، وَتَخْصِيْصُهُ باِلاسْتِثْنَاءِ المحَقق ِ، وَالنَّهْيِّ الصَّرِيْحِ أَوْلىَ وَأَحْرَى .
الرّابعُ : أَنَّ تِلك َ الأَحَادِيْثَ إنمَا قصِدَ بهَا بيانُ اخْتِصَاص ِ نبيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ باِلتَّوْسِعَةِ عَليْهمْ فِي الصَّلاةِ دُوْنَ مَنْ قبْلنا مِنَ الأَنبيَاءِ وَأُمَمِهمْ ، حَيْثُ حُظِرَتْ عَليْهمُ الصَّلاة ُ إلا َّ في المسَاجدِ المبْنِيَّةِ للصَّلاة . فذَكرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلَ الخصِيْصَةِ وَالمزِيةِ ، وَلمْ يَقصِدْ تفصِيْلَ الحكم .
وَاعْتَضَدَ ذلِك َ بأَنَّ هَذِهِ الأَمَاكِنَ قلِيْلة ٌ باِلنِّسْبَةِ إلىَ سَائِرِ الأَرْض ِ، فلمّا اتفقَ قِلتهَا ، وَأَنهُ لمْ يَتَمَحَّض ِ المقصُوْدُ لِبيان ِ أَعْيَان ِ أَمَاكِن ِ الصَّلاةِ ، ترَك َ اسْتِثْنَاءَهَا .
أَمّا أَحَادِيْثُ النَّهْيِّ : فقصِدَ بهَا بيانُ حُكمِ الصَّلاةِ في أَعْيَان ِ هَذِهِ الأَمَاكِن ِ، وَهَذَا بيِّنٌ لِمَنْ تأَمله .
وَهَذَا المعْتَرِضُ مُتناقِضٌ ، فإنهُ لا يُنَازِعُ فِي حُرْمَةِ اتخاذِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ مَسَاجِدَ ، وَالصَّلاةِ فِيْهَا ، فلمَ لمْ يَسْتَثْنهَا مِنَ العُمُوْمِ فِي الحدِيْثِ السّابق ِ؟! أَمْ يَرَاهَا دَاخِلة ً فِيْه؟!
* * *