فصل
فِي نقض ِدَلِيْلِهِ الثالِثِ ، وَهُوَ صَلاة ُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابهِ ، عَلى قبْرِ امْرَأَةٍ كانتْ تقمُّ المسْجد
أَمّا دَلِيْلُ المعْتَرِض ِالثالِثِ : فقوْلهُ صَلاة ُ رَسُوْل ِاللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلى المِسْكِيْنَةِ التِي كانتْ تقمُّ المسْجدَ ، فِي المقبَرَةِ مَعَ أَصْحَابهِ رَضِيَ الله ُعَنْهُمْ) انتهَى كلامُه .
وَهَذَا فِيْهِ خَلط ٌوخَبْط ٌ، فإنَّ نِزَاعَ أَهْل ِالعِلمِ فِي جَوَازِ الصَّلاةِ المطلقةِ ، ذاتِ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ ، لا فِي صَلاةِ الجنازَة !
وَقِياسُ صَلاةِ الجنازَةِ باِلصَّلاةِ المطلقةِ : قِياسٌ مَعَ الفارِق ِ، وَهُوَ فاسِد .
فإنْ كانتِ الصَّلاة ُ المطلقة ُوَصَلاة ُ الجنازَةِ ، اتفقتا فِي اسْمِ الصَّلاةِ : فقدِ اخْتَلفتا فِي الشُّرُوْطِ وَالصِّفة .
وَصَلاة ُالجنازَةِ فِيْهَا إظهَارُ ضَعْفِ الميِّتِ وَعَجْزِهِ ، وَحَاجَتِهِ هُوَ إلىَ إخْوَانِهِ الأَحْيَاءِ مِنَ المسْلِمِيْنَ لِيدْعُوْا الله َ لهُ ، وَيصَلوْا عَليْهِ ، عَلَّ الله ُ أَنْ يَرْحَمَهُ ويَنفعَهُ بدُعَائِهمْ . وَليْسَ فِي هَذَا مَظِنة ٌ لِشرْكٍ ، وَلا ذرِيْعَة ٌ لهُ وَلا فتْحٌ لِبابه .
بخلافِ الصَّلاةِ المطلقةِ ، ذاتِ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ ، وَهِيَ التِي خَصَّهَا الشّارِعُ باِلتَّحْرِيْمِ باِلأَحَادِيْثِ السّابقةِ جَمِيْعًا ، وَلعَنَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى ، لاتخاذِهِمْ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ ، يصَلوْنَ فِيْهَا الصَّلاة َ المطلقة َ، لا صَلاة َ الجنازَة !
فاسْتِدْلالهُ بهَذَا الدَّلِيْل ِ: اسْتِدْلالٌ في غيْرِ مَحَلهِ ، في مَسْأَلةٍ نقوْلُ بهَا ، وَلا ننازِعُ فِيْهَا ، وَلا تعَلقَ لهِذَا الدَّلِيْل ِ بمَسْأَلةِ النِّزَاع .
وَباعِثهُ عَلى الاسْتِدْلال ِ بهِ أَحَدُ أَمْرَيْن ِ: إمّا جَهْلهُ باِلفرْق ِ بَيْنَ الأَمْرَين ِ، أَوْ إرَادُتهُ التَّلبيْس . وَعَلى كِلا الحاليْن ِ: لا يُعْتَدُّ بصَاحِبِ هَذَيْن .