البرهان 254
من سورة المؤمنون
{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ *
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ*
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ
فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ *
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ }
{ 115 -118 }
أي: { أَفَحَسِبْتُمْ } أيها الخلق
{ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا }
أي: سدى وباطلا، تأكلون وتشربون وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا،
ونترككم لا نأمركم، و[لا] ننهاكم ولا نثيبكم، ولا نعاقبكم؟
ولهذا قال: { وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } لا يخطر هذا ببالكم ،
{ فَتَعَالَى اللَّهُ }
أي: تعاظم وارتفع عن هذا الظن الباطل،
الذي يرجع إلى القدح في حكمته.
{ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ }
فكونه ملكا للخلق كلهم حقا، في صدقه، ووعده، ووعيده،
مألوها معبودا، لما له من الكمال
{ رَبُّ الْعَرْشِ الكريم }
فما دونه من باب أولى، يمنع أن يخلقكم عبثا.
{ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ
فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ }
أي: ومن دعا مع الله آلهة غيره،
بلا بينة من أمره ولا برهان يدل على ما ذهب إليه،
وهذا قيد ملازم،
فكل من دعا غير الله، فليس له برهان على ذلك،
بل دلت البراهين على بطلان ما ذهب إليه،
فأعرض عنها ظلما وعنادا، فهذا سيقدم على ربه،
فيجازيه بأعماله، ولا ينيله من الفلاح شيئا، لأنه كافر،
{ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ }
فكفرهم منعهم من الفلاح.
{ وَقُلْ } داعيا لربك مخلصا له الدين
{ رَبِّ اغْفِرْ } لنا حتى تنجينا من المكروه،
وارحمنا، لتوصلنا برحمتك إلى كل خير
{ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ }
فكل راحم للعبد، فالله خير له منه،
أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأرحم به من نفسه.