بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن أهتدى بهديه الى يوم الدين
أما بعد:
فهذا مما قرأته فنقلته لكم وأحببت أن تقرأوه معي لكي تعم الفائدة نفعنا الله وأياكم بالعلم النافع والعمل الصالح
الحديث النبوي الشريف الحديث النبوي أو السنّة النبوية: حسب الدين الإسلامي هو ما ورد عن رسول اللهمحمد بن عبد الله من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو صفة خُلقية أو سيرة سواء قبل البعثة (أي بدء الوحي والنبوة) أو بعدها .
تعريف الحديث
يطلق على الحديث عدة اصطلاحات، فمنها السنّة، والخبر، والأثر. فالحديث من حيث اللغة هو الجديد من الأشياء، والحديث: الخبر، يأتي على القليل والكثير، والجمع أحاديث. ، فالحديث هو الكلام الذي يتحدث به، وينقل بالصوت والكتابة. والخبر: هو النبأ، وجمعه أخبار. وهو العلم، والأثر هو بقية الشيء، وهو الخبر، والجمع آثار. ويقال: أثرت الحديث أثرا: نقلته. ومن هنا فإن الحديث يترادف معناه مع الخبر والأثر من حيث اللغة. أما اصطلاحا، فإن الحديث هو ما ينسب إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. ،و الخبر والأثر لفظان آخران يستعملان بمعنى الحديث تماما، وهذا هو الذي عليه اصطلاح جمهور العلماء ولكن بعض العلماء يفرقون بين الحديث والأثر، فيقولون: الحديث والخبر هو ما يروى عن النبي والأثر هو ما يروى عن الصحابة والتابعين وأتباعهم. وقيل: "الحديث ما جاء عن النبيوالخبر ما جاء عن غيره."
وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر وليس كل خبر حديثا.
الحديث والسنة
السنة في اللغة هي السيرة، والطريق القويم ، وقد وردت في القرآن الكريم بمعنى الطريقة المتبعة: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا - سورة الإسراء و قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ - سورة الأنفال. وكلمة السنة إذا أطلقت فهي تنصرف إلى الطريقة المحمودة، وقد تستعمل في الطريقة المذمومة ولكنها تكون مقيّدة، كقول النبي :
««من سن في الإسلام سنة حسنة ، فعمل بها بعده ، كتب له مثل أجر من عمل بها . ولا ينقص من أجورهم شيء . ومن سن في الإسلام سنة سيئة ، فعمل بها بعده ، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ، ولا ينقص من أوزارهم شيء» »
فالسنة هنا ضد البدعة، والبدعة هي طريقة في الدّين مخترعة، تضاهي الشريعة. وهي ما أحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه. قال الأزهري:
«ويطلق ـ أي: لفظ السنة ـ في مقابلة البدعة؛ فيقال: فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عليه النبي ، كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أو لا، ويقال: فلان على بدعة إذا عمل على خلاف ذلك" »
«السنة هي الطريق المسلوك؛ فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه النبي وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة " »
ومن ذلك قول النبي :
««عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» »
وقال:
««فمن رغب عن سنتي فليس مني» »
ففيما يتعلق بمصطلحي الحديث والسنة، فإنهما يجتمعان في مواضع، ويفترقان في مواضع أخرى، فإن ما يروى عن النبي من قول أو فعل أو تقرير يطلق عليه "حديث" كما يسمى أيضا "سنة"، يقول الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع:
«السنة في المعنى الأُصوليِّ مساويةٌ للحديث بالتعريف المتقدّم عن أهل الحديث ، دون قيد ( أو صفة ) ، واستثناء الصفة النبوية من جملة السنن إنما وقع من أجل أن محل الكلام في السنة هو اعتبار كونها من مصادر التشريع ، وهذا لا يَنْدرجُ تحته الأوصاف الذَّاتية ، وإنما يستفاد من الأقوال والأفعال والتقريرات النبوية". »
، وكذلك فإن كتب الحديث تسمى أيضا بكتب السنة، كما أن أهل الحديث هم أيضا من أهل السنة. فإذا اطلق لفظ السنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا، ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة، أي: القرآن والحديث. أما بالنسبة لمواضع الافتراق، فإنه يطلق على هدي النبي المجمل الثابت في جميع شؤونه "السنة"، يعنون طريقته ومنهجه وصراطه، ولا يطلق العلماء – غالباً- ههنا مصطلح "الحديث"، يقول العلامة سيد سليمان الندوي الهندي:
«الحديث كل واقعة نُسبت إلى النبي ولو كان فعلها مرة واحدة في حياته الشريفة ، ولو رواها عنه شخص واحد ، وأما السنة فهي في الحقيقة اسم للعمل المتواتر - أعني كيفية عمل الرسول - المنقولة إلينا بالعمل المتواتر ، بأن عمله النبي ثم من بعده الصحابة ، ومن بعدهم التابعون وهلمَّ جرا ، ولا يُشترط تواترها بالرواية اللفظية ، فطريقة العمل المتواترة هي المسماة بالسنة ، وهي المقرونة بالكتاب في قوله : (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله تعالى وسنة رسوله) وهي التي لا يجوز لأحد من المسلمين كائنًا من كان تركها أو مخالفتها وإلا فلا حظ له في الإسلام"»
وقد اختلف معنى السنة في اصطلاح المشرّعين حسب اختلاف اختصاصاتهم، فهي عند الأصوليين والفقهاء غيرها عند المحدثين. فعند الأصوليين والفقهاء، فتستعمل للدلالة على:
فيما ثبت عن النبي من غير وجوب، وهي حكم من الأحكام الخمسة: (الواجب، الحرام، السنة، المكروه، المباح) مثال: صلاة ركعتين بعد المغرب. فاستعمال الفقهاء مصطلح "سنة" في بيان حكم استحباب فعل معين، ولا يستعملون مصطلح : "حديث".
وتستعمل في مقابل كلمة البدعة. كقولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا. قال النبي :
««من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»
إذن، فعلماء الفقه في استعمالهم للحديث ولمصطلح السنة، فإنما بحثوا عن حكم الشرع في أفعال العباد، مستدلين بما ورد عن النبي من سنة (قول أو فعل أو تقرير). [ كما يسمي العلماء الالتزام بالقدر الوارد في الشريعة وعدم الزيادة والابتداع في الدين بـ "السنة"، ولا يسمون ذلك بـ "الحديث". ومنه مقولة عبد الرحمن بن مهدي المشهورة:
«سفيان الثوري إمام في الحديث ، وليس بإمام في السنة ، والأوزاعي إمام في السنة ، وليس بإمام في الحديث ، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعا»
وحين يتكلم العلماء على الروايات تصحيحا أو تضعيفا إنما يستعملون مصطلح " الحديث "، ولا يستعملون مصطلح " السنة "، فيقولون : هذا حديث ضعيف ، ولا يقولون : هذه سنة ضعيفة أما عند المحدّثين، فالسنة مرادفة للحديث، وهي كل ما أثر عن النبي من اخبار وأقوال وخلق وشمائل وأفعال سواء أثبت المنقول حكما شرعيا ام لا . والصلة بين المعنيين (اللغوي والاصطلاحي) عندهم واضحة، لأن قول النبي وفعله وتقريره طريقة متبعة عند المسلمين لا يجوز الحياد عنها: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا - سورة الأحزاب. وهنالك بعض الأحاديث التي تدل على أن هذا المعنى الاصطلاحي قد استعمل من قبل النبي. فمن هذه الأحاديث قوله:
««تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي» »
أقسام السنة
وتنقسم السنة إلى:
قولية: وهي كل ما ورد من أقوال النبي من لفظه، في مختلف الأغراض والمناسبات فكل قول صحت نسبته إلى النبي وجب اتباعه فيه بحسب صيغته وما يقتضيه من وجوب ونحوه. ومثال عليها قوله:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل إمرىء ما نوى»
أو قوله في ماء البحر:
««هو الطهور ماؤه الحل ميتته» »
والأصل في حكم السنة القولية هو الوجوب. لأن الأصل في الأوامر هو الوجوب، والأصل في النواهي هو التحريم، ما لم يرد ما يدل على خلاف ذلك، وهذا هو المعتمد عند أهل العلم
فعلية: وفهي ما صدر عن النبي من أفعال في كل أحواله، والتي نقلها لنا الصحابة، مثل: كيفية أداء الصلاة، وكيفية وضوءه، وأدائه لمناسك الحج، وما إلى ذلك. وهي عادة أقل في قوة التشريع من السنة القولية، فليس كل أفعال النبي سنة يجب اتباعها، إلا فيما تعلق بالأفعال المتعلقة بالتشريع. ولهذا انقسمت أفعاله إلى ثلاثة أقسام:
ما صدر عنه من أفعال خاصة به : وهذه ليس لغيره من الأمة اتباعها، وذلك كوصاله الصيام في شهر رمضان، فقد كان النبي يصوم اليومين وأكثر من غير أن يأكل بينهما، وهو في نفس الوقت ينهى أصحابه عن ذلك لاختلاف حاله غيره من الأمة ، وكتزوجه بأكثر من أربع نساء، وكتهجده بالليل، حيث كان التهجد بالنسبة إليه يعد واجبا ، كما يدل على ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا - سورة المزمل.
ما صدر عن النبي بحكم بشريته كالأكل والشرب والنوم، وما إلى ذلك، فهذا النوع من الأفعال، وإن كان لا يعد تشريعًا ولا يجب التأسي به، إلا أنه وُجدَ من الصحابة مَنْ كان يقتفي أثره في ذلك؛ محبة فيه، وحرصًا على اتباعه، كعبد الله بن عمر.
ما صدر عنه وقصد به التشريع والاتباع، وهو نوعان:
أفعال وردت بيانًا لمجمل ما جاء في القرآن الكريم، فمثلا: فما صدر عنه من أفعال خاصة بالصلاة كانت بيانًا لمجمل قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - سورة المزمل. قال النبي :
«صلوا كما رأيتموني أصلي»
وما صدر عنه من أفعال خاصة بمناسك الحج كانت بيانًا لقوله تعالى: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ - سورة آل عمران. وما إلى ذلك من الأفعال التي تحمل الصبغة التشريعية.
أفعال فعلها النبي ابتداءً، فعلى الأمة متابعته فيها، والتأسي به ؛ لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا - سورة الأحزاب. وهذا إذا علمت صفته الشرعية. مثال ذلك قول عمر حينما كان يقبل الحجر الأسود في طوافه:
«إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك»
تقريرية: وهي كل ما أقره النبي مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال، بسكوت منه وعدم إنكار، او بموافقته وإظهار استحسانه وتأييده. ومثالها: ما رواه أبو سعيد الخدري أنه:
«خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء، فحضرت الصلاة فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثم أتيا رسول الله فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة»، وقال للآخر: «لك الأجر مرتين».»
وصفية: و هي تشمل نوعين، الصفات الخلقية: و هي ما جبله الله عليه من الأخلاق الحميدة و ما فطره عليه من الشمائل العالية المجيدة و ما حباه به من الشيم النبيلة. ومثالها ما رواه البخاري عن أنس بن مالك قال:
«"لم يكن النبي - - سبَّابا ولا فحَّاشا ولا لعَّانا" »
و أما النوع الثاني فهو الصفات الخلقية: و تشمل هيأته التي خلقه الله عليها و أوصافه الجسمية. ومثالها حديث أم معبد الذي أورده ابن كثير في البداية والنهاية بطوله، قالت أم معبد:
«"مرّ بنا رجل كريم مبارك، كان من حديثه كذا وكذا! قال: صفيه لى يا أم معبد. فقالت: "إنه رجلٌ ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه (أى أبيض واضح ما بين الحاجبين كأنه يضيء)، حسن الخِلقة، لم تُزْرِ به صِعلة (أى لم يعيبه صغر في رأس، ولا خفة ولا نحول في بدن)، ولم تَعِبْه ثجلة (الثجلة: ضخامة البطن)، وسيمًا قسيمًا، في عينيه دَعَج (شدة سواد العين)، وفى أشفاره عطف (طول أهداب العين)، وفى عنقه سَطَع (الطول)، وفى صوته صَحَل (بحّة)، وفى لحيته كثافة، أحور أكحل، أزَجُّ أقرن (الزجج: هو تقوس في الحواجب مع طول وامتداد، والأقرن: المتصل الحواجب)، إن صمتَ فعليه الوقار، وإن تكلم سَمَا وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب..."»
أن السنّة مبيّنة للقرآن: فقد كلّف النبي محمد بمهمة تبيين ما نزّل إلى الناس، وتأدية الرسالة، وتبيين المراد من آيات الله. فقال الله تعالى في القرآن: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ - سورة النحل
والسنة مفصلة لمجمل القرآن، ففي القرآن آيات تأمر بالصلاة والزكاة أمرا مجملا، قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - سورة النور، فتأتي السنة النبوية فتفصل عدد الصلوات، وأوقاتها، وعدد ركعاتها، ومبطلاتها، وتدل على شروطها وأركانها، كما تفصّل السنة النبوية ذكر الأموال التي فيها زكاة، والتي لا زكاة فيها، والأمثلة على تفصيل السنة لما ورد في القرآن الكريم مجملا كثيرة، كأحكام الصوم والحج والبيع وغيرها.أخرج الخطيب البغدادي وأبو سعد السمعانيبسنديهما إلى عمران بن حصين:
«أنه كان جالسا ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له: ادن. فدنا. فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيع صلاة الظهر أربعا، وصلاة العصر أربعا، والمغرب ثلاثا تقرأ في اثنتين؟ أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعا والطواف بالصفا والمروة؟ ثم قال: أي قوم! خذوا عنا، فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلنّ. »
وفي السنة أحكام عليها جمهور المسلمين لم تأت في القرآن، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها ، وحد شرب الخمر، ورجم الزاني المحصن، قال الشوكاني:
«إن ثبوت حجّية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخالف في ذلك إلامن لا حظ له في الإسلام.»
وفي السنة تخصيص لعموم محكم القرآن، ومن ذلك تخصيص الحديث:
«"فكان ظاهر هذه الآية يدل على أن كل والد يرث ولده، وكل مولود يرث والده، حتى جاءت السنّة بأن المراد ذلك مع اتفاق الدين بين الوالدين والمولودين، وأما إذا اختلف الدينان فإنه مانع من التوارث."»
والقرآن الكريم نفسه يرد إلى السنة، ويوجب على المسلمين أن يطيعوا الرسول، ويعُدّ طاعة الرسول طاعة لله. قال تعالى: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا - سورة النساء، ويقرر القرآن أن رسول الله أسوة حسنة لكل من آمن بالله واليوم الآخر: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا - سورة الأحزاب، وأوجب الله في القرآن النزول على حكم النبي في كل خلاف، وأقسم الله على نفي الإيمان عن كل من لا يحكّمه ولا يرضى بحكمه، حتى يحكّمه ويرضى بحكمه، قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا - سورة النساء، وأخبر الله تعالى أن رسول الله أوتي القرآن والحكمة (التي هي السنّة) ليعلم الناس أحكام دينهم ويزكيهم: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ - سورة آل عمران قال الإمام الشافعي في هذه الآية:
«سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنّة رسول الله... فلم يجز أن يقال الحكمة هنا إلا سنّة رسول الله ، وذلك أنها مقرونة مع الكتاب، وأن الله افترض طاعة رسوله وحتم على الناس اتباع أمره.»
وهناك نصوص قرآنية أخرى عديدة تلزم المسلم بطاعة الرسول وامتثال أمره فمن ذلك: قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ - سورة آل عمران، و إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - سورة النور، و مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ - سورة الحشر، وغيرها، فدلّت هذه الآيات على أن السنّة في رتبة تشريعية ملزمة.
أما في الحديث النبوي، فهناك طائفة ضخمة من الأحاديث الثابتة التي تصرّح بمكانة السنة في الشريعة، فمنها ما رواه البخاري: "عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال:
««كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: يا رسول الله، من يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى».»
«وعظنا رسول الله موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة»»
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان عن المقداد بن معد يكرب:
«عن رسول الله أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب وما يعدله ويوشك بشبعان على أريكته يقول : بيننا وبينهم هذا الكتاب ، فما كان فيه من حلال أحللناه وما كان فيه من حرام حرمناه ، وإنه ليس كذلك» .»
«"عن النبي قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق» »
«أن رسول الله قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله» .»
وقد أجمع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وسائر علماء المسلمين من بعدهم ، على حجية السنة النبوية ووجوب التمسك به، ونقل هذا الإجماع الإمام الشافعي فقال:
«أجمع الناس على ان من استبانت له سنة رسول الله : لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.»
«وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاما - : يتعمد مخالفة رسول الله في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينياً على وجوب اتباع الرسول وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله » الحديث القدسي
الحديث القدسي: هو ما رواه النبي محمد عن الله تعالى، أو هو كل حديث يضيف فيه النبي قولا إلى الله عز وجل.. وقد يكون بأي كيفية من كيفيات الوحي، كرؤيا النوم، والالقاء في الروع، وعلى لسان الملك، أو من وراء حجاب، أو تكليما مباشرا. وقد يأتي بعبارة : (قال الله تعالى) ، أو (يرويه عن ربه تارك وتعالى) ، أو (إن روح القدس نفث في روعي) وهو كلام الله تعالى بالمعنى واللفظ للرسول. قال الشريف الجرجاني:
«الحديث القدسي هو من حيث المعنى من عند الله تعالى ومن حيث اللفظ من رسول الله فهو ما أخبر الله تعالى به نبيه بإلهام أو بالمنام فأخبر عن ذلك المعنى بعبارة نفسه فالقرآن مفضل عليه لأن لفظه منزل أيضا»
«الحديث القدسي أُوحيت ألفاظه من الله على المشهور والحديث النبوي أوحيت معانيه في غير ما اجتهد فيه الرسول والألفاظ من الرسول »
ونسبة الحديث إلى القدس (وهو الطهارة والتنزيه) لأنه صادر عن الله عز وجل من حيث أنه هو المتكلم به أولا والمنشيء له، وأما كونه حديثا فلإن النبي هو الحاكي له عن الله تعالى. الفرق بين الحديث القدسي والنبوي
والفرق بين الحديث القدسي والأحاديث النبوية الأخرى أن هذه نسبتها إلى النبي ، وحكايتها عنه، وأما الحديث القدسي فنسبته إلى الله تعالى، والنبي يحكيه ويرويه عنه عز وجل، ولذلك قيدت بالقدس أو الإله، فقيل : أحاديث قدسية أو إلهية، نسبة إلى الذات العلية، وقيدت الأخرى بالنبي ، فقيل فيها:
«أحاديث نبوية نسبة إلى الرسول ، وإن كانت جميعها صادرة بوحي من الله عز وجل، لأن الرسول لا يقول إلا الحق »
الحديث القدسي ينسبه النبي إلى ربه تبارك وتعالى، أما الحديث النبوي: فلا ينسبه إلى ربه سبحانه.
الأحاديث القدسية أغلبها يتعلق بموضوعات الخوف والرجاء، وكلام الله جل وعلا مع مخلوقاته، وقليل منها يتعرض للأحكام التكليفية. أما الأحاديث النبوية فيتطرق إلى هذه الموضوعات بالإضافة إلى الأحكام.
الأحاديث القدسية قليلة بالنسبة لمجموع الأحاديث أما الأحاديث النبوية فهي كثيرة جداً.
الأحاديث القدسية قولية فقط والأحاديث النبوية قولية وفعلية وتقريرية.
عدد الأحاديث القدسية ونماذج منها
ذكر العلامة ابن حجر الهيثمي أن عدد الأحاديث القدسية المروية يتجاوز المائة، قال:
«إن مجموع الأحاديث القدسية المروية يتجاوز المائة، كـما أن بعضهم جمعها في جزء كبير»
وبلغ بها المناوي: 272 حديث قدسيٍّ. وبلغ بها الشيخ محمد المدني 863 حديثا.
المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية - علاء الدين علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الشهير بابن بلبان. (المتوفى 739هـ)
الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية - محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي. (المتوفى 1031هـ)
الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية - محمد بن محمود بن صالح بن حسن الطربزوني الحنفي الشهير بالمدني. (المتوفى 1200هـ)
ومن الكتب المعاصرة:
الجامع في الأحاديث القدسية - عبد السلام بن محمد علوش.
الصحيح المسند من الأحاديث القدسية - مصطفى العدوي.
الأحاديث القدسية - المجلس العلى للشؤون الإسلامية/مصر.
علوم الحديث علم الحديث اعتنت الأمة الإسلامية بحديث النبي منذ بداياتها، وحاز حديث النبي من الوقاية والحفظ والمحافظة الشيء الكثير، فقد نقل لنا الروة أقوال الرسول في الشؤون كلها العظيمة منها أو اليسيرة، بل في الجزئيات التي قد يتوهم أنها ليست موضع اهتمام، فنقلوا لنا كل التفاصيل في أحوال النبي سواء في الطعام أو الشراب أو بكيفية نومه ويقظته أو قيامه أو قعوده، وكان من حرصهم على الحديث أن يجتهدوا في التوفيق بين مطالب حياتهم اليومية والتفرغ للعلم ، فعن عمر بن الخطاب أنه قال:
«كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله ينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك »
ويرجع للصحابة الفضل في بدء علم رواية الحديث، وذلك أنه بعد وفاة النبي ومع إنتشار الإسلام واتساع البلاد الإسلامية أقام الصحابة في البلاد المتفرقة ينشرون العلم ويبلغون الحديث فصار الحديث علما يروى وينقل، ووجد بذلك علم الحديث رواية. وكان الصحابة يروي بعضهم عن بعض ما سمعوه من النبي، وكذلك من جاء بعدهم من التابعين كانوا يروون عن الصحابة، ولم يكونوا يتوقفون في قبول أي حديث يرويه صحابي عن النبي، وظل الأمر على هذه الحال حتى وقعت الفتنة التي أدت إلى مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وما تبع ذلك من انقسامات واختلافات، وظهور الفرق والمذاهب المختلفة، فأخذ الدَّسُ على السنة يكثر شيئاً فشيئاً، وبدأ كل فريق يبحث عن ما يسوغ بدعته من نصوص ينسبها إلى النبي ، وعندها بدأ العلماء من الصحابة والتابعين يتحرون في نقل الأحاديث، ولا يقبلون منها إلا ما عرفوا طريقها واطمأنوا إلى ثقة رواتها وعدالتهم. روى مسلم في صحيحه عن مجاهد قال:
«جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله ، قال رسول الله ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه - أي لا يستمع - ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي، أُحدثك عن رسول الله ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول : قال رسول الله ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف»
وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه أيضا عن محمد بن سيرين أنه قال:
«لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم»
واتبعهم في ذلك التابعون وتابعوهم، ووضعوا قواعد علمية في قبول الأخبار من غبر أن ينصوا على كثير من تلك القواعد، ثم جاء أهل العلم من بعدهم فاستنبطوا تلك القواعد من منهجهم في قبول الأخبار ومعرفة الرواة الذين يعتد بروايتهم أو لا يعتد بها، كما استنبطوا شروط الرواية وطرقها، وقواعد الجرح والتعديل وكل ما يلحق بذلك.
إذن فغاية علم الحديث هو معرفة صحيح الحديث من ضعيفه، وما يقبل وما يرد من الحديث وذلك من خلال النظر في سند الحديث ومتنه، وأحوال رجاله وما يتعلق بهم جرحا أو تعديلا، أو فيما يتعلق بما يتصل بالحديث من أحكام ودلائل ومعرفه ناسخه من منسوخه ومعرفة رواتب نقلة الحديث من الصحابة والتابعين والتفاوت بينهم، والتفاوت في الأسانيد من حيث الاتصال أو الانقطاع منها والسلامة من العلل وما إلى ذلك. قال السيوطي:
علم الحديث ذو قوانين تحديدرى بها أحوال متن وسندفذلك الموضوع والمقصودأن يعرف المقبول والمردود